ابراهيم بن عمر البقاعي

590

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أنه لا يتقدر ، بل إذا انقضى أكثر أهل عصر قيل : انقضى القرن ، ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله : مَكَّنَّاهُمْ أي ثبتناهم بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان والسعة في الأموال فِي الْأَرْضِ أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم ، ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة ما لَمْ نُمَكِّنْ أي تمكينا لم نجعله لَكُمْ أي نخصكم به ، فالآية من الاحتباك أو شبهه ، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب لئلا يلتبس الحال ، لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول والفاضل ، ولا يبقى اللبس التعبير بالماضي في قوله وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ أي المطر تسمية للشيء باسم سببه أو السحاب عَلَيْهِمْ . ولما كان المراد المطر ، كان التقدير : حال كونه مِدْراراً أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة مبالغة من الدر ، قالوا : ويستوي فيه المذكر والمؤنث . ولما ذكر نفعهم بماء السماء ، وكان غير دائم ، أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال : وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي ولما كان عموم الماء بالأرض وبعده مانعا من تمام الانتفاع بها ، أشار إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال : مِنْ تَحْتِهِمْ أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نبع منها من الماء ما يجري منه نهر . ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي ، فكان من أظهر الأشياء أنه غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم ، فكثرت زروعهم وثمارهم ، فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم ، أعلم سبحانه أن ذلك ما كان إلّا لهوانهم استدراجا لهم بقوله مسببا عن ذلك : فَأَهْلَكْناهُمْ أي بعظمتنا بِذُنُوبِهِمْ أي التي كانت عن بطرهم النعمة ولم نبال بهم ولا أغنت عنهم نعمهم . ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفا من الاحتياج إلى مثله ، بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال : وَأَنْشَأْنا ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد ، أدخل الجار فقال : مِنْ بَعْدِهِمْ أي فيما كانوا فيه قَرْناً ودل على أنه لم يبق من المهلكين أحدا ، وأن هذا القرن الثاني لا يرجع إليهم بنسب بقوله : آخَرِينَ ولم ينقص ملكنا شيئا ، فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم ، وهذه الآية مثل آية الروم أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [ الروم : 9 ] - الآية ، فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك ، والتمكين لهم هو المراد بالعمارة ، والإهلاك بالذنوب هو المراد بقوله فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ [ الروم : 9 ] و [ التوبة : 70 ] - إلى آخر الآيتين .